محمد بن جرير الطبري

30

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

قد قتلتموه فلم يمت ، فهل رأيتم ساحرا قط قدر ان يدرأ عن نفسه الموت ، أو أحيا ميتا قط ! ثم قص عليهم فعل جرجيس ، وفعلهم به ، وفعله بالثور وصاحبته ، واحتج عليهم بذلك كله ، فقالوا له : ان كلامك لكلام رجل قد اصغى اليه ، قال : ما زال امره لي معجبا منذ رايت منه ما رايت ، قالوا له : فلعله استهواك ! قال : بل آمنت واشهد الله انى بريء مما تعبدون فقام اليه الملك وصحابته بالخناجر ، فقطعوا لسانه ، فلم يلبث ان مات ، وقالوا : اصابه الطاعون ، فاعجله الله قبل ان يتكلم فلما سمع الناس بموته أفزعهم ، وكتموا شانه ، فلما رآهم جرجيس يكتمونه برز للناس ، فكشف لهم امره ، وقص عليهم كلامه ، فاتبعه على كلامه أربعة آلاف وهو ميت ، فقالوا : صدق ، ونعم ما قال ! يرحمه الله ! فعمد إليهم الملك فاوثقهم ، ثم لم يزل يلون لهم العذاب ويقتلهم بالمثلات . حتى أفناهم . فلما فرغ منهم اقبل على جرجيس ، فقال له : هلا دعوت ربك . فأحيا لك أصحابك ، هؤلاء الذين قتلوا بجريرتك ! فقال له جرجيس ما خلى بينك وبينهم حتى خار لهم فقال رجل من عظمائهم يقال له مجليطيس : انك زعمت يا جرجيس ان الهك هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ، وانى سائلك امرا ان فعله الهك آمنت بك وصدقتك ، وكفيتك قومي هؤلاء ، هذه تحتنا أربعة عشر منبرا حيث ترى ، ومائدة بيننا عليها اقداح وصحاف ، وكل صنع من الخشب اليابس ، ثم هو من أشجار شتى ، فادع ربك ينشئ هذه الانية وهذه المنابر ، وهذه المائدة ، كما بداها أَوَّلَ مَرَّةٍ ، * حتى تعود خضرا نعرف كل عود منها بلونه وورقه وزهره وثمره . فقال له جرجيس : قد سالت امرا عزيزا على وعليك ، وانه على الله لهين فدعا ربه ، فما برحوا مكانهم حتى اخضرت تلك المنابر ، وتلك الانية كلها ، فساخت عروقها ، والبست اللحاء ، وتشعبت ، ونبت ورقها وزهرها وثمرها ، حتى عرفوا كل عود منها باسمه ولونه وزهره وثمره . فلما نظروا إلى ذلك انتدب له مجليطيس ، الذي تمنى عليه ما تمنى ،